ما معنى «لا تدركه الأبصار» في سورة الأنعام (6:103)؟
«لا تدركه الأبصار» مطلع الآية 103 من سورة الأنعام، وتمامها: «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير». ومعناها كلمة كلمة: «لا» نافية، و«تُدرك» من الجذر د-ر-ك وفيه معنى اللحاق بالشيء والإحاطة به، فهو أزيد من مجرد النظر، والهاء عائدة إليه سبحانه، و«الأبصار» جمع بَصَر. وأما ما يُكتب في البحث «la tudrikuhul» فهو منقطع في وسط الكلمة، لأن «هُل» في آخره هي الهاء موصولة بألف ولام «الأبصار».
والآية مبنية على تكرار الفعل نفسه: ما نُفي عن الأبصار في أولها أُثبت له سبحانه في آخرها، «وهو يدرك الأبصار». وهذا التقابل يجعل الحدّ في الناظر، ولهذا فسّر كثير من أهل اللغة الإدراك بالإحاطة.
وموضعها من السورة بيّن. فقد جاءت بعد الردّ على من جعل لله شركاء وافترى له بنين وبنات، وخُتم ذلك بقوله «سبحانه وتعالى عما يصفون» (6:100)، ثم «بديع السماوات والأرض» (6:101)، ثم «ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء» (6:102). فكانت الآية 103 خاتمة هذا الوصف، ثم جاء بعدها ما يخصّ الإنسان: «قد جاءكم بصائر من ربكم» (6:104)، والبصائر من مادة الأبصار نفسها، وتمامها «فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها».
و«اللطيف الخبير» ختام الآية، وفيه بيان كيف يبقى قريبًا ممن لا تدركه أبصارهم. واللطيف من الجذر ل-ط-ف، وفيه الدقة التي تنفذ ولا يدركها الحس، وفيه الرفق في المعاملة. والخبير هو العالم ببواطن الأمور. والاسمان مقترنان في مواضع: «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير» (67:14)، وفي ختام وصية لقمان عن مثقال حبة من خردل تكون في صخرة (31:16)، وفي آية إنزال الماء واخضرار الأرض (22:63). وهذا القرب هو المذكور في «ونحن أقرب إليه من حبل الوريد» (50:16).
وقد اختلف المفسرون والمتكلمون في هذه الآية: أتنفي الرؤية أصلًا، أم تنفي الإحاطة مع بقاء الرؤية؟ ومعرفة صورة الخلاف أنفع من الاقتصار على قول واحد. فمنهم من حمل النفي على العموم في الدنيا والآخرة. ومنهم من قال إن الإدراك هو الإحاطة، فالمنفيّ هو الإحاطة، والرؤية في الآخرة ثابتة عندهم بقوله «وجوه يومئذ ناضرة» (75:22) «إلى ربها ناظرة» (75:23). وسؤال موسى داخل في هذا البحث، حين قال «رب أرني أنظر إليك» فكان الجواب «لن تراني» (7:143)، وقد فُهم الجواب عند بعضهم على الدنيا وعند غيرهم على الإطلاق. والفريقان جميعًا على أصل «ليس كمثله شيء» (42:11) و«ولم يكن له كفوًا أحد» (112:4). وهذه مسألة اعتقادية لها تاريخ طويل، فمن أراد قولًا يعتمده فليسأل أهل العلم عنده.
📖 المصدر: القرآن 6:100–104؛ 67:14؛ 31:16؛ 22:63؛ 50:16؛ 75:22–23؛ 7:143؛ 42:11؛ 112:4
حمّل حكمة لآيفون أو أندرويد