ما معنى «يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخْلَدَهُۥ» في سورة الهمزة (104:3)؟
«يحسب أن ماله أخلده» هي الآية الثالثة من سورة الهمزة، ونصُّها: يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخْلَدَهُۥ (القرآن 104:3). ومعناها كلمة كلمة: «يحسب» فعل مضارع من الجذر حـسـب، وأصله العدّ ثمّ الظنّ المبنيّ على حساب؛ و«أنّ» تصدير لما يحسبه؛ و«ماله» المال المملوك له؛ و«أخلده» من الجذر خـلـد الدالّ على البقاء، على وزن «أفعل»، أي جعله باقيًا لا ينقطع. وجاء «أخلده» بصيغة الماضي لأمر لم يقع بعد، فالماضي هنا يحكي يقين الرجل نفسه لا وقوع الأمر.
والآية ثالثة تسع. تفتتح السورة بقوله: وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (104:1)، ثمّ تصف صاحبها في الحال: ٱلَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُۥ (104:2)، فالعدّ في الثانية والحساب في الثالثة عادة واحدة وقعت على شيئين. ثمّ يأتي الردّ: كَلَّا ۖ لَيُنۢبَذَنَّ فِى ٱلْحُطَمَةِ (104:4)، فالسؤال: وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ (104:5)، فالجواب: نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ (104:6) ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلْأَفْـِٔدَةِ (104:7). وتُختم السورة: إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ (104:8) فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍۭ (104:9). فسورة بدأت بجمعٍ وعدّ تنتهي بالإيصاد.
و«أخلد» بهذه الصيغة لم ترد في القرآن إلا مرة أخرى، في الأعراف عمّن أوتي الآيات فتركها: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۚ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (7:176). وبقية الجذر هي لغة البقاء: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ ۖ أَفَإِي۟ن مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَـٰلِدُونَ (21:34)، وبها وسوس الشيطان لآدم: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ (20:120)، وبها يردّ الفرقان الخلود إلى موضعه: قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۚ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيرًا (25:15). فالخلود ثابت في القرآن، غير أنه يُعطى ولا يُجمع.
و«يحسب» يعود كلما وصف القرآن من يقرأ سعته في الدنيا حكمًا صدر له. ففي المؤمنون: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (23:55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ (23:56). وفي التكاثر تسمية للانشغال نفسه: أَلْهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ (102:1) حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ (102:2). وثلاث آيات تمضي بالحساب إلى موضع استقراره: وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدَّىٰٓ (92:11)، مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ (111:2)، وقول من بقي مع كتابه: مَآ أَغْنَىٰ عَنِّى مَالِيَهْ ۜ (69:28). وفي العلق مبتدأ ذلك كله: كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ (96:6) أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ (96:7).
وقد اختلف المفسرون فيمن نزلت فيه السورة. فمن الروايات الأولى ما يعيّن رجلًا بمكة، وقد نُقلت في ذلك أسماء عدّة. ومنهم من حمل «كلّ» في أولها على العموم المقصود، أي وصفٍ يصدق على من وقع فيه، وعلى هذا يكون التعيين تضييقًا لما تركه النصّ واسعًا. والقولان منقولان، والسورة لا تسمّي أحدًا. وكذلك «همزة لمزة»: قيل هما خصلتان، طعن بالإشارة وطعن باللسان، وقيل هما لفظان لمعنى واحد كُرّرا للتوكيد. والآية إنما تردّ على الحساب نفسه، والمال يبقى على ما وضعه الكهف فيه: ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (18:46)، والموازنة مصرَّحٌ بها في الأعلى: وَٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ (87:17).
📖 المصدر: القرآن 104:1–9؛ 7:176؛ 21:34؛ 20:120؛ 25:15؛ 23:55–56؛ 102:1–2؛ 92:11؛ 111:2؛ 69:28؛ 96:6–7؛ 18:46؛ 87:17
حمّل حكمة لآيفون أو أندرويد